إرهاب الفكر وفكر الإرهاب ... كان الجامع الأزهر منارة العلم عبر ما يربو عن ألف عام ،ينتج من العلماء والشيوخ والوعاظ الذين أناروا العقول وحرروها من سيطرة العباد إلى سماحة ورحمة رب العباد ،يعلمون الناس معاعن الحرية والاختيار التى من أجلها جعل الله الجنة ثوابا للمؤمنين والنار عقابا للمنحرفين ...ومن هذا المنطلق رأينا شيوخا مثل الشيخ محمد عبده والشيخ المراغى والشيخ الذهبى ومرورا بالشيخ رفاعة رافع الطهطاوى رائد التنوير أساتذة مهذبين للفكر من كل ما يعلق به من تطرف أو خروج عن المنهج الإلهى السمح ، فأدخلوا علوما حديثة ولغاتا أجنبية جعلت من خريجى الأزهر أكثر وعيا بكل تفاصيل الحياة ،فكان الأزهر بذلك جامعا وجامعة ،ووصل الأمر إلى أن قامت جامعة الأزهر ،يتخرج منها الأطباء والصيادلة وغيرهم كل هذا جنبا إلى جنب مع أساتذة العلوم الشرعية والفقهية بل والفلسفية ،بهذا وصل المجتمع المصرى إلى درجة من الوعى والإدراك ما لم يتوفر لغيره من المجتمعات ،فظهر فى مصر علماء وأساتذة وشيوخ نشروا العلم فى رحاب مصر ودول العلم كله بما فيها بلاد الحرمين الشريفين ،إلى أن جاء الاحتلال الانجليزى لمصر فحاول جاهدا أن يصنع اتجاها موازيا لشيوخ الأزهر من أصحاب اتجاهات دينية يظهرون بمظهر الورع والنبل والتدين بل ويتشددون فيه ،وقد كتب أمير الشعراء أحمد شوقى قصيدة تكشف مكر ودهاء أصحاب هذه الاتجاهات المتأسلمة أكثر منها بالإسلامية ،وسماها الثعلب المكار وقال فيها ......برز الثعلب يوما فى ثياب الواعظين ..ومشى فى الناس يسب الظالمين ....وقال يا ناس لا عيش إلا عيش الناسكين ....فازهنوا الطير وهاتوا لى الديك ليؤذن لصلاة الصبح فينا ...فجاء الديك وقال آه يا أضل الواعظين ...واسألوا عنى هذه البطن اللعينة ..كم حوت من لحوم الطير فينا ...وقد صدق كلام الأقدمين مخطؤ من ظن يوما أن للثعلب دينا . وبهذا ندرك مقدار فهم أمير الشعراء لهذه التيارات المتشدقة باسم الدين وخداعها للناس ،ولأن الاحتلال هو المحرك الأساسى لهذه الجماعات وجب عليه حمايتها وتمويلها ،فاتخذت هذه الجماعات لنفسها مراكز للتحرك فى حرية وبعيدا عن سيطرة الدولة مثل المحافظات النائية كالإسماعيلية والسويس ومحافظات الصعيد .ومن ساعتها بدأ التشويه تارة والسخرية تارة أخرى بشيوخ الأزهر المستنيرين ،والحرص على وصفهم بشيوخ الدولة وليس الشعب حتى وسائل الإعلام اتخزت من الشيوخ مادة للسخرية والاستهزاء ،وكان لذلك صورة من صور إرهاب الفكر التى جعلت الكثير من العلماء التزام الصمت حرصا على كرامتهم المهدرة ، أو التغيير من زيهم الأزهرى ليظهروا أمام الناس مواكبين للتطور فلا يقلل من شأنهم أحد ، وجاءت المرحلة الثانية لذلك أن يحتكر الشيوخ غير الأزهريين الدين والالتزام فلا يتحدث غيرهم ولا تقبل أى فتوى إلا منهم ،وهنا كانت مرحلة نشر فكر الإرهاب ،فنسمع منهم كلام عن السمع والطاعة وعدم الخروج عن الجماعة بعد ما كنا نسمع منهم فى أكثر من محفل أو موقف قولهم لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ،فقد احتكروا الكلام والحديث عن رب العزة وما دون ذلك فهو كفر وخروج عن الملة ،وبمثل هذا شرعوا للقتل والفكر الجهادى من منظورهم وحدهم ،ووصل الأمر إلى رفض كل من خالفهم فى الرأى ،فشرعوا لقتل المفكرين المعتدلين مثل الكاتب فرج فودة ،والغريب أن القاضى عندما سأل قاتل الكاتب فرج فودة لماذا قتلته ؟ قال لأن كتاباته كافرة . فسأل القاضى مرة أخرى وهل قرأت كتبه ؟ قل لا !!! سبحان الله لم يقرأ للكاتب وربما لا يقرأ من الأساس ومع ذلك يقتل ؛لأنه تربى على السمع والطاعة ، فلماذا يفكر وهناك من يفكر له ؟ إن هذا الفكر يرفض غيره ،فإذا كان يصنع هذا مع المسلمين أنفسهم أمثال نجيب محفوظ ورفعت المحجوب وغيرهم ممن يدينون بالدين الإسلامى ،فما بالنا بغير المسلمين من أصحاب الديانة المسيحية ؟!ماذا سيفعل معهم ؟ هذا الفكر يجب أن نواجهه وبكل حزم ،حتى يعود إلى صوابة ، ويفهم المعنى الحقيقى للمواطنة الذى وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة ،فعمل اتفاقية دفاع مشترك فى وثيقة المدينة مع اليهود وحرص رسول الله على احترامها ، بل ومن بعده سيدنا عمر عندما عمل الوثيقة العمرية لنصارى بيت المقدس ،وخطب وبجواره تمثال من تماثيل الكنيسة وعليه من التراب ،فمسح عن التمثال التراب ،ليضرب المثل فى السماحة والمواطنة ،فهل يدرك هؤلاء سنة رسول الله ،وسنة الخلفاء الرشدين من بعده .